هؤلاء النصابون الكبار وابتكاراتهم العبقرية
   2- الشك في الطب والأطباء

تعليقًا على مقال الأسبوع الماضي، وصلتني بعض خطابات تدور حول ذات المنطق تقريبًا، ومنها هذا الخطاب لصديق لن أذكر اسمه لأنني لم أطلب إذنه في النشر : "منذ أيام مرض والدي ودخل المستشفى وأجرى قسطرة في القلب، وعرفت أن ثمن قسطرة القلب عشرين ألف جنيه وأشعة الرنين المغناطيسي تكلف 450 جنيه وهناك أدوية وحقن سعرها 100 جنيه أو أكثر، والإقامة ليلة واحدة في المستشفى تكلف أكثر من 200 جنيه .. هل تعتقد أن من يجرون وراء الأوهام يجرون بخاطرهم ؟! إنهم لم يجدوا شيئًا أفضل وأرخص ليجربوه , أنا مستعد أن أبلبع كل أنواع الأعشاب إذا مرضت ولم أجد لي علاجا أو كنت لا أملك ثمن العلاج !!! ........ الناس معذورة في الجري وراء الطب البديل ، العلاج والدواء والأشعات والعمليات ثمنها غال جدا ، ولا يقدر عليها أكثر الناس ...........من لا يجد العلاج أو من لا يملك ثمن العلاج من حقه أن يجرب كل شيء وأي شيء ما لم يكن حرامًا " الحقيقة إنني لا أستطيع أن أرغم نفسي على قبول هذا المنطق ..  إذا كان هناك أطباء جشعون بلا رحمة، وإذا كانت هناك أمراض بلا علاج، فليس الحل هو أن أجري في الاتجاه المعاكس لأنفق القليل الذي أملكه عند أباطرة الطب الزائف الذين لا يملكون ما يقدمون .. كأن المال نوع من الطاقة يجب أن تخرج في هذا الاتجاه أو ذاك .. لا تعط الأطباء مالك .. أعطني إياه وضع ثقتك بي .. وبرغم هذا فإنني لا أرى شيئًا رخيصًا في هذا كله.. المصابون بداء السكري ينفقون الكثير فعلاً على علاجات الأعشاب عديمة النفع، برغم أن علاج السكر المحترم العلمي ليس باهظًا إلى هذا الحد .. إنهم ينفقون الكثير على العلاج بالحمام والأوزون والأشعة تحت الحمراء .. لكنهم يدفعون هذه الأموال في رضا تام ويمكن أن يتشاجروا معك لو فتحت فمك معترضًا .. هذا في رأيي يعود إلى سلوك إنساني طبيعي، هو أن الإنسان لا يقبل أن يعترف بأنه قابل للخداع أو إنه خُدع فعلاً.. يتحدث أباطرة الطب البديل عن الإبر الصينية رابطين بينها وبين ما يروجون له من هراء.. قل لهم إن الإبر الصينية درست دراسة مدققة منذ زيارة نيكسون للصين في أوائل السبعينات، وهناك رسائل دكتوراه عليها في كل مكان بالعالم، ولسوف تجدها في مجلات من وزن (لانست) و(بي إم جي)، وهي جزء مهم من مقرر علم وظائف الأعضاء لدى أي طالب طب.. فقط عندما يقرر بعض الأباطرة أن يزيدوا طيف التكسب ليجعلوها تشفي من سرطان الكبد ومن الالتهاب سي ومن تلف صمامات القلب، مع الهراء المعتاد الذي لا يمكن إثباته: "الإبر الصينية تزيد المناعة عن طريق تنشيط الخلايا المساعدة (ت) وتزيد إفراز مواد معينة منشطة للمقاومة " .. الخ .. هنا فقط تسمع النغمة المألوفة وتعرف أن العلم قد صمت، بينما تكلم المال .. المريض قد يئس من الطب التقليدي ويريد تجربة أي شيء بأي ثمن .. جميل جدًا .. هذا بالضبط هو الصيد الذي خرج هؤلاء القوم للظفر به .. هذا هو مصدر رزقهم، ومن ورائه سيبنون العمارات ويركب أولادهم البي إم دابليو  ويقتنون شاليهات الساحل الشمالي.. سوف يعيش كل منهم على الفضائيات، وسوف ينشر كتابًا يبيع مليون نسخة،  وسوف يخصص خطًا هاتفيًا للرد على الاستفسارات .. كل هذا بثمن طبعًا .. ليس هبة ولا تبرعًا .. يعتمد هؤلاء كذلك على نقطة نفسية مهمة هي ارتفاع نغمة الشك في الأطباء والتحفز ضدهم في وسائل الإعلام .. لا يمر يوم من دون أن تقرأ عن الطبيب الفلاني الذي نسى الفوطة في بطن المريض، أو سرق كلية مريض، أو أعطى المريض علاجًا خاطئًا .. هكذا يزداد اليقين لدى المريض أن الأطباء مجموعة من الجهلة الجشعين الذين يسرقون مالك وأعضاءك .. هم دائمًا غير موجودين في المستشفيات فإذا تواجدوا ارتكبوا الأخطاء المهنية القاتلة .. إذن أين المفر ؟.. المفر الوحيد هو ذلك الأخ الذي يظهر على الفضائيات ويعالج السرطان بالأعشاب .. مثلاًَ في برنامج تلفزيوني جماهيري منذ عدة أعوام، ظهر الفنان سمير الاسكندراني ليحكي قصته مع نوبة ارتفاع ضغط أصابته، فذهب إلى المستشفى حيث أعطاه الطبيب نوعًا من الكبسولات تحت اللسان، والنتيجة أنه شعر بصداع مروع مع زغللة عينين واحمرار في الوجه .. حكى القصة بطريقة درامية – مع الكاريزما الفائقة التي يتمتع بها - باعتبارها حلقة أخرى من مسلسل  إهمال الأطباء وجهلهم .. كل طبيب يعرف أن هذا أثر جانبي معتاد لعقار (نيفيدبن) الذي وضعوه تحت لسانه لإنقاذ الموقف، وكانت هذه أفضل سياسة طبية (في ذلك الزمن) .. الصداع وزغللة العينين لا معنى لهما سوى أن العقار بدأ يعمل .. لكن البرنامج قد أعد أصلاً لالتهام سمعة الأطباء والشك فيهم، ولا يمكن أن يسمح لطبيب بأن يفسد هذه الوليمة .. كل طبيب يعرف ذلك المريض الذي يقصده في المستشفى المجاني طالبًا استشارته، فيفحصه الطبيب ويقضي معه وقتًا طويلاً ثم يكتب له العلاج.. هنا يبرز المريض روشتة أخرى من جيبه ويسأل: "لقد سألت زميلك الفلاني منذ قليل وكتب لي هذا..  فما رأيك ؟" .. هكذا هو يجرب الاستزادة من وقت الأطباء وجهدهم على سبيل (الاستخسار)، ولأنه لا يثق في كليهما، وفي الوقت ذاته يحاول أن يجعل اللصين يختلفان لتظهر البضاعة المسروقة .. نفس المريض يذهب في سعادة وحماس إلى عيادة طبيب يأخذ مائتي جنيه في الكشف، وينفذ كل ما يطلبه الطبيب عن طيب خاطر، لأن ما هو مجاني لا قيمة له ..  هل المنشفة المنسية في الجرح مسئولية الجراح ؟.. كلنا حضر العمليات الجراحية ورأى كيف تبتل هذه المنشفة بالدم فلا تختلف عن الأنسجة البشرية الدامية في شيء.. هنا يأتي دور ممرضة العمليات المسئولة عن عد المناشف.. يقول الجراح للممرضة في نهاية الجراحة وقبل أن يخيط الجرح: "عدي فوطك .." .. فتعدها لتتيقن من أن العدد الذي معها هو العدد الذي بدأتْ به الجراحة .. هنا فقط يبدأ خياطة الجرح .. عندما تجد منشفة منسية بعد هذا فهل هي مسئولية الجراح الذي يتحمل مائة مسئولية أخرى، أم هي مسئولية ممرضة العمليات ؟.. لماذا نتكلم عن مسلسل إهمال الأطباء، ولا نتكلم عن داء الاستسهال والإهمال لدى الإنسان المصري ؟ لا أعني بهذا أن الأطباء مجموعة من الملائكة .. هم جزء من المجتمع يتلف بتلفه .. جرب أن تتعامل مع موظف في مجلس المدينة أو الكهرباء أو السجل المدني أو التعليم الثانوي، ولتر إن كان يقظ الضمير يقوم بواجبه خير قيام أم لا ؟..  أنت تطالب الطبيب بأن يتقاضى مائتي جنيه في الشهر ويهش لك ويبش، ولا ينشغل بعيادته،  ويتابع أحدث الاكتشافات العلمية، ويكون موجودًا متى أردته .. بأمارة إيه ؟.. بأمارة إن الطب مهنة إنسانية طبعًا .. وهل هذا يعني أن الطبيب ليس إنسانًا ذا حاجات ؟.. برغم هذا هناك أمثلة إيجابية لا تنتهي .. كلنا يعرفها .. لكن هذه الأخبار غير مثيرة صحفيًا من منطلق أن خبر (عض الرجل الكلب) يبيع أفضل من (عض الكلب الرجل)، وكما يقول (آثر كلارك): "لابد إن جرائد المدينة الفاضلة مملة جدًا بالتأكيد"..  لكن مسلسل الشك هذا يؤدي بالضرورة إلى رواج الطب البديل وثراء أباطرته ، دعك من أن العلم بطبعه كئيب لا يعد إلا بما يستطيع تحقيقه .. لا توجد خوارق ولا معجزات في العلم وهذا بالطبع لا يرضي المرضى .. سوف تنتهي هذه الهوجة ويدرك الجميع أنهم كانوا مخدوعين لكنهم لن يعترفوا بهذا .. في الوقت ذاته سيكون هؤلاء النصابون الكبار قد وجدوا طريقة أخرى للحصول على الرزق ..  ربما النمل المطحون أو براز الفئران العرجاء .. فقط لنجلس أمام الفضائيات وننتظر النصاب القادم ... وللحديث بقية.            

 

 

 

حقوق الطبع محفوظة 2003