|
" أتوقع حدوث استقرار
أمني في المستقبل القريب في العراق خاصة بعد تشكيل حكومة الدكتور
إبراهيم الجعفري وتولي جلال طالباني رئاسة العراق"
إيهاب الشريف في تصريح لوكالة
الأنباء الكويتية (كونا) قبل مغادرته القاهرة يوم 31 مايو 2005 إلى
بغداد
***
إنها قصة بوليسية مكتملة الأركان.. قصة بوليسية مرعبة أحدثت أسى
عميقًا ممزوجًا بالاشمئزاز والذهول والمرارة في بر مصر؛ لأنها
مأساة بدت للجميع غير ضرورية وكان يمكن تفاديها ..
قصة بوليسية مكتملة الأركان هي .. الدافع معروف .. إنه خليط من
الانتقام الدموي ودفع الدول إلى التفكير مرتين قبل التعاون مع
حكومة العراق؛ وكما قال (هيكل): "هناك استراتيجية لما يجري في
العراق .. استراتيجية شنيعة لكن يمكن فهم دوافعها .. إن لعبة (الصدمة
والرعب) لعبة يلعبها اثنان وليست قاصرة على الأمريكيين" ..
الفاعلون معروفون وسوف نعلن عريضة اتهامهم بعد قليل، لكن ينقص
الجريمة ركن واحد: الجثة .. لا توجد جثة ولا صور ولكن الحكومة
المصرية بادرت إلى تأييد القصة التي نشرها موقع إنترنت متطرف،
وأعلنت وفاة الشريف يوم الخميس. فما معنى هذا ؟.. رجل الشارع
استنتج على الفور أن الحكومة المصرية تعرف ما هو أكثر وأن لها
مصادرها.. لكن أين كانت تلك المصادر بينما الشهيد (إيهاب الشريف)
في قبضة خاطفيه ؟
إنه مساء السبت 2 يوليو .. ليل بغداد المظلم ..بالتحديد في حي
المنصور الذي شهد آخر هتاف لصدام منذ عامين قبل سقوط بغداد بيوم ..سيارة
جيب شيروكي بيضاء تقف جوار كشك لبيع الصحف .. ورجال شرطة يبحثون عن
رجل مصري وقور في الحادية والخمسين من العمر ..
حالة الارتباك العامة تدلك على أن المختفي صاحب السيارة شخص عظيم
الشأن ..شهود العيان يحكون عن رئيس البعثة الدبلوماسية المصري
إيهاب الشريف الذي ترجل من سيارته ليبتاع جريدة، من ثم برز له
هؤلاء المسلحون في سيارتين من طراز (بي إم دبليو)، وأرغموه على
ركوب سيارتهم لأنه (جاسوس أمريكي)...
كيف عرفوا شخصيته وكيف توقعوا أنه سيبتاع جريدة ؟... لعلها عادة من
عاداته أو كانوا يراقبون سيارته منذ فترة، وهذا يشير إلى اختراق
كامل للأجهزة الأمنية العراقية وربما حرس السفارة .. هنا يتساءل
رجل الشارع: منذ متى يخرج السفراء في بلد خطر مثل بغداد دون حراسة
؟.. ومنذ متى يبتاعون صحفهم بأنفسهم بينما في مصر يصعب عليك أن
تقابل سكرتير مدير مكتب الجوازات ؟.. لاحظ أن الشريف هو ثاني
دبلوماسي مصري يُختطف في العراق بعد محمد ممدوح قطب الذي اختطفته
جماعة تدعو نفسها (كتائب أسد الله) في يوليو منذ عام .. وظهر في
ذلك المشهد المعتاد البشع مقيدًا بينما يقف وراءه الملثمون يتلون
بيانهم والعلم الأسود في الخلفية .. بعد هذا أطلق سراحه لأنه (يتمتع
بوازع ديني وأخلاق مهذبة) وكأن الشريف رحمه الله لم يكن كذلك ..
ألم يكن هذا كافيًا كي تتخذ الحكومة العراقية وحرس السفارة المزيد
من الحذر ؟..
في شقته بمدينة نصر تحاول ابنته (إنجي) الطالبة بكلية الإعلام
الاتصال به أكثر من مرة لكن هاتفه المحمول مغلق .. تتوجس خيفة
لكنها لا تصارح أحدًا بمخاوفها ..
الحكومة العراقية تبحث عن الفاعلين .. إنه مأزق حقيقي لها لأن هذه
الصفعة تأتي في الصميم لتبين عجزها عن حماية من يجب أن تحميهم ..هذا
ارفع دبلوماسي عربي في العراق حاليًا .. . في ذات اليوم تحدث عدة
هجمات على أكثر من دبلوماسي لعل القصد منها الخطف ولعله الاغتيال
.. لكن الدبلوماسيين ينجون جميعًا فيما عدا سفيرنا ..
ثم تدور الأحداث بسرعة وبذات السيناريو المعتاد .. بيان على
الإنترنت من تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين يعلن اختطاف
السفير مع عرض حشد من البطاقات الشخصية والرسمية ... وتحت عنوان (الصارم
البتار على سفير الكفار) جاء في البيان ذي اللغة (القاعدية)
الواضحة: " قررت المحكمة الشرعية بتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين،
تحويل المرتد سفير دولة مصر الموالية لليهود والنصارى إلى
المجاهدين كي ينفذوا حد الردة فيه." .. حتى هنا توقع رجل الشارع أن
المفاوضات ستستغرق عدة اشهر ثم يفرج عن الرجل مقابل (الحلاوة)
كالعادة .. الحلاوة التي بلغت ستة ملايين دولار في بعض الحالات..
حتى عندما ظهر على الشاشة معصوب العينين قلنا لنفسنا إن هذا المشهد
يتكرر كثيرًا .. لكننا رأينا أن البيان انتقل للتهليل: " "جاء
اليوم الذي نثأر فيه لإخوتنا وإسلامنا من طاغوت مصر وزبانيته،
ونحمد الله تعالى أن مكننا من أسر أحد أئمة الكفر سفير مصر المدعو
إيهاب الشريف الذي كان يعمل لدى السفارة المصرية في دولة اليهود
اللقيطة."
والبيان يحمل اسمًا (قاعديًا) آخر من تلك الأسماء المنذرة بالذبح،
وهو (أبو ميسرة العراقي).. الناطق الإعلامي للتنظيم ..
هنا فقط لعب الفأر في عبنا وقد تذكرنا أن الشريف سبق له رئاسة بعثة
مصر في تل أبيب. بل كان هو القائم بأعمال السفارة المصرية لدى
إسرائيل في فترة انقطاع الاتصالات الدبلوماسية. قد نختلف أو نتفق
مع التطبيع لكن لماذا أرسلوه هو بالذات دون سواه إلى العراق ؟.
رجل الشارع قلق .. الكل ينتظر .. ترى هل كانت هناك مطالب لمختطفيه
؟.. لو كان الأمر كذلك فلماذا لم تنفذها الحكومة المصرية ؟.. لكن
الأحداث تتحرك إلى نهايتها المحتومة كأنها مأساة إغريقية نعرف
نهايتها سلفًا .. مجموعة أبي مصعب الزرقاوي – الشهير بالذباح -
أعلنت في بيان يوم الخميس على موقع على شبكة الانترنت أنها قتلت
الدبلوماسي المصري الذي تحتجزه رهينة:
"بيان تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين يعلن قتل سفير الطواغيت
إيهاب الشريف." وجاء في البيان "نعلن نحن تنظيم القاعدة في بلاد
الرافدين أن حكم الله تعالى في سفير الكفار، سفير مصر قد نُفذ ولله
الحمد."
الحكومة المصرية أيدت النبأ على الفور، فلم يعد من داع لمحاولة
تكذيبه أو الشك فيه .. وعدت الحكومة الأمريكية باستجلاء ملابسات
الحادث، وأرسلت الحكومة المصرية وفدًا لإجراء مفاوضات تسلم الجثة
.. فقط ندعو الله أن يكون هؤلاء أكثر حذرًا فلا نراهم مقيدين أمام
الراية السوداء غدًا...
ما زال الحادث غامضًا وسوف تتضح حقائق كثيرة فيما بعد لكن رجل
الشارع المصري .. سائق التاكسي والقهوجي والواقفين في طابور الخبز
.. هذا الرجل قد فحص الأدلة وأصدر حكمه – الذي لا استئناف فيه -
على السادة الآتية أسماؤهم:
1) الإهمال: كيف تترك رجلاً بهذه الأهمية يمشي وحده بلا حراسة في
عاصمة خطرة مثل بغداد، وبعد عام من سابقة معروفة خطف فيها محمد قطب
؟
2) سوء الاختيار: ألم يجدوا رجلاً يرسلونه إلى بغداد إلا القائم
بالأعمال في تل أبيب ؟.. أم أنه اختير لهذا الغرض بالذات كعلامة
على حسن النية تجاه الحكومة الأمريكية ؟
3) سوء التوقيت: وهو ليس سوء توقيت بالضبط ... راجع المتهمين
الرابع والخامس.
4) هوشيار زيباري وزير خارجية العراق: الذي سارع من بروكسل إلى
إعلان أن مصر ستكون أول دولة عربية ترفع تمثيلها الدبلوماسي إلى
درجة السفير. كأنه يريد (تدبيس) الحكومة المصرية بإعلان قرارات لم
تنفذ بعد .. الفقيد وصل العراق منذ ثلاثة أسابيع لا أكثر فتلقاه
الأخ أبو مصعب الزرقاوي على الفور.
5) الحكومة المصرية ذاتها: قرار تعيين سفير لمصر بالعراق صدر خلال
زيارة أبله كوندي لمصر .. وبشكل شبه سري .. فما معنى هذا ؟ .. رجل
الشارع استنتج وجود صفقة لإنقاذ بوش من المستنقع العراقي مقابل أن
ينسى لبعض الوقت عفريت الإصلاح السياسي الذي حل عليه .. صفقة دفع
الشريف ثمنها كما هو واضح ..
6) روح التطرف العامة التي صنعت وحوشًا قادرة على ذبح رجل باك مقيد
اليدين .. أقسم بالله العظيم أنني رأيت منذ أشهر ندوة دينية في
قناة (إقرأ) ، كان المحاضر يحدث فيها مجموعة من الشباب السعودي
الملتحي عن عملية ذبح مرتد في تاريخ الإسلام الأول، فراح يصف
بالتفصيل كيف تم الذبح، وكيف سال الدم وكيف راح الرجل يتلوى
كالشياه .. كانت عيناه تلمعان استمتاعًا وانفجر الشباب يضحك في بشر
ورضا كأن الهلال السعودي أحرز جول المباراة الوحيد. ثم يتساءلون من
أين يأتي التطرف وكل هذه الدموية ؟.. أبو مصعب الزرقاوي حضر ندوات
مماثلة كثيرة وضحك مع الضاحكين بلا شك. لاحظ أنني لا أناقش الحدود
لكني أناقش الاستمتاع الوحشي السادي بها.
7) في النهاية نتهم تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين باعتباره
– فقط - اليد التي نفذت.. !
رحم الله إيهاب الشريف .. كان محترفًا نفذ ما صدر له من أوامر،
فحمل على كاهله أخطاء الجميع .. والمشكلة تزداد تفاقمًا لأن خروج
أمريكا من العراق يعني إعلان الزرقاوي خليفة بغداد في اليوم الثاني
ويعني أنه كان على صواب طيلة الوقت، وبقاءها يعني أن تبقى عاصمة
الخلافة وثاني أهم دولة عربية محتلة .. منك لله يا صدام ويا بوش.
|